ابن كثير
477
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
ذلك له ، فإنما ينتهي إلى الكتاب الذي قدرت لا يزاد عليه ، وليس أحد قدرت له أنه قصير العمر والحياة ببالغ العمر ، ولكن ينتهي إلى الكتاب الذي كتبت له ، فذلك قوله تعالى : وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ يقول : كل ذلك في كتاب عنده ، وهكذا قال الضحاك بن مزاحم . وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ قال : ما لفظت الأرحام من الأولاد من غير تمام وقال عبد الرحمن في تفسيرها : ألا ترى الناس يعيش الإنسان مائة سنة وآخر يموت حين يولد فهذا هذا . وقال قتادة : والذي ينقص من عمره فالذي يموت قبل ستين سنة . وقال مجاهد وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ أي في بطن أمه يكتب له ذلك لم يخلق على عمر واحد ، بل لهذا عمر ، ولهذا عمر هو أنقص من عمره . فكل ذلك مكتوب لصاحبه بالغ ما بلغ ، وقال بعضهم : بل معناه وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ أي ما يكتب من الأجل وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ وهو ذهابه قليلا قليلا ، الجميع معلوم عند اللّه تعالى سنة بعد سنة ، وشهرا بعد شهر ، وجمعة بعد جمعة ، ويوما بعد يوم ، وساعة بعد ساعة ، الجميع مكتوب عند اللّه تعالى في كتابه ، نقله ابن جرير عن أبي مالك ، وإليه ذهب السدي وعطاء الخراساني ، واختار ابن جرير الأول ، وهو كما قال . وقال النسائي عند تفسير هذه الآية الكريمة : حدثنا أحمد بن يحيى بن أبي زيد بن سليمان قال : سمعت ابن وهب يقول : حدثني يونس عن ابن شهاب عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال : سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه » « 1 » . وقد رواه البخاري ومسلم وأبو داود من حديث يونس بن يزيد الأيلي به . وقال ابن أبي حاتم : حدثنا علي بن الحسين ، حدثنا الوليد بن الوليد بن عبد الملك بن عبيد اللّه أبو سرح ، حدثنا عثمان بن عطاء عن مسلمة بن عبد اللّه عن عمه أبي مشجعة بن ربعي عن أبي الدرداء رضي اللّه عنه قال : ذكرنا عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فقال : « إن اللّه تعالى لا يؤخر نفسا إذا جاء أجلها ، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة يرزقها العبد ، فيدعون له من بعده فيلحقه دعاؤهم في قبره ، فذلك زيادة العمر » . وقوله عز وجل : إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أي سهل عليه ، يسير لديه علمه بذلك وبتفصيله في جميع مخلوقاته ، فإن علمه شامل للجميع ، لا يخفى عليه شيء منها . [ سورة فاطر ( 35 ) : آية 12 ] وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 12 )
--> ( 1 ) أخرجه أبو داود في الأدب باب 12 ، والبيوع باب 13 ، ومسلم في البر حديث 20 ، 21 ، وأبو داود في الزكاة باب 45 .